السيد محمد حسين فضل الله

266

من وحي القرآن

مسئولياته ، بل يعيشون الحياة كلها من خلاله . وقد أكثر المفسرون الحديث عن شخصية هؤلاء القوم ، هل كانوا معاصرين لموسى عليه السّلام أم أنهم متأخرون عن زمانه ؟ ونحن لا نجد كبير فائدة في تحديد ذلك ، لأننا لا نبحث التاريخ في القرآن كحوادث تفصيلية ، ولكننا نبحث الفكرة والخط والعبرة ، ولذلك ، فنحن نجمل ما أراد القرآن إجماله ونفصّل ما يريد تفصيله . ونريد أن نشير إلى نقطة أثارها صاحب تفسير الميزان ، في محاولة استيحاء مدلول الآية في تعيين هؤلاء القوم بالأنبياء والأئمة الذين جاءوا من بعد موسى ، وذلك لأن اللَّه وصفهم في كلامه « بالهداية كقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] وغيره من الآيات ، وذلك أن الآية ، أعني قوله : أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، لو حملت على حقيقة معناها من الهداية بالحق والعدل بالحق ، لم يتيسر لغير النبي والإمام أن يتلبّس بذلك » « 1 » . إننا نعلّق على ذلك ، بأن وصف هؤلاء القوم بأنهم يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ لا يفرض العصمة في كل أقوالهم وأفعالهم ، فلا يقعون في الخطأ في شيء من ذلك ، بل يكفي في صدق هذا الوصف أن يكون الحقّ هو المنهج الذي يسيرون عليه ، والقاعدة التي ينطلقون منها في مسيرة الهداية والعدل ، بعيدا عن كل التفاصيل التي يمكن أن يقع الخطأ في تطبيقاتها العملية ، إذ لا مانع من القول بأن فلانا يهدي بالحقّ ويحكم بالعدل ، إذا كان ينطلق في هدايته وحكمه من شريعة الحقّ والعدل ، ولذلك فإننا لا نوافقه على هذه الاستفادة أو الاستيحاء ، مع الإشارة إلى ملاحظتنا السابقة ، بأن الحديث في تحديد الموضوع غير مهم .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 8 ، ص : 290 - 291 .